السيد الطباطبائي ( تعريب : جواد علي كسار )

51

مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي

ولذلك لا يستطيع الانسان الفطري الواقعي ان يعيش الحياة ببعد واحد ؛ فيكتفي بالبعد المادي أو المعنوي لوحده . فمن جهة لا يمكن له ان يعيش في العالم المادي بدون حياة مادية ، ومن جهة ثانية لا معنى لما جبل عليه فطريا من استعداد لمعرفة اللّه وادراك للعبودية من دون الحياة المعنوية . أما ما لاحظناه سابقا من ميل الديانتين اليهودية والمسيحية إلى أحد الجانبين دون الآخر ، فان حقيقة الامر تعود إلى مقتضيات الزمن ( المرحلية ) التي كانت تملي تقوية أحد البعدين على حساب الآخر . ففي عهد موسى الكليم ( عليه السلام ) كان بنو إسرائيل يعيشون في مصر تحت وطأة الأسر والاستعباد الفرعوني ، فحرموا من كل المزايا الانسانية وعوملوا معاملة الحيوانات . وحين أنجاهم الكليم ( عليه السلام ) بذل المهم من جهوده في تنظيم حياتهم الداخلية وارساء القوانين الاجتماعية وإعمار الأرض وغير ذلك ، وفي سياق هذا المسار خصّص هامشا لتوجيههم نحو الحياة المعنوية . اما حين بعث السيد المسيح ( عليه السلام ) فانّ بني إسرائيل وان كانوا تحت سيطرة الروم ، إلّا انهم كانوا ينعمون بأنظمة اجتماعية متّسقة . بيد انّ الروحانيين ( العلماء والأحبار ) والمتنفّذين كانوا قد جعلوا التوراة في ذمّة النسيان ، واتخذوا الجانب المعنوي وسيلة للمكاسب المادية واستغلال الناس . لذلك انصرفت همة السيّد المسيح لإحياء الجانب المعنوي وهدايتهم إليه . اما الاسلام فقد جاءت نظمه - كما أشرنا - لتختطّ مسارا وسطا بين الحياتين المادّية والمعنوية . وفي هذا الاختيار عمد الاسلام - في الحقيقة إلى تحقيق